الشيخ أحمد فريد المزيدي
347
الإمام الجنيد سيد الطائفتين
رسالة الجنيد إلى أبي إسحاق المارستاني « 1 » يا أبا إسحاق لا ضيع اللّه ميلي إليك ، ولا إقبالي عليك ، وأنا عليك عاتب واجد ، ولما تقدّم من فعلك غير حامد . أرضيت أن تكون لبعض عبيد الدنيا عبدا ؟ أو يكون بطاعاتك له عليك مهيمنا وربّا ؟ يتخولك ببعض ما يعطيك ، ويمتهنك بيسير ما يزريك ، مبتذلا لك . ثم يدنسك بأوساخ وضره ، ويجتذبك بمأثور ضرره ؟ فسبحان من بسط إليك به رحمته ورأفته ، فاستنقذك بذلك من وبال ما اخترته لنفسك وملت إليه ! لقد كدت أن تغرق في خلجان بحرها ، أو تهلك في بعض مفاوزها ، لقد أوجب عليّ من الشكر لما جدّد من النعمة عليك ، ووهب لي من السلامة فيك ، ما لا أقوم به عجزا عن واجب حقه إلا يقوم به لي عني . وأنا أسأل المنان المتطول بفضله ، المبتدي بكرمه وامتنانه ، أن يقوم لي عني بما قصر له به شكري ، بادئا في ذلك بالحمد والجود كما هو أهله ، بل ما لا أحصيه من نعمه . فليت شعري أبا إسحاق ! كيف معرفتك بما جدد لك من نعمه وآلائه ، وزوى عنك من عطب فرط بلائك ، وكيف علمك بعد معرفتك ، فيما ألزمك المنعم عليك ، والمنّان بفضله وإحسانه فيما أسدى إليك ؟ ألك ليل ترقده ، أم نهار تمهده ، أم مستراح عن الجد تجده ، أم طعام تعهده ، أم سبب من الأسباب دون ذلك تقصده ؟ على أن ذلك غير نائب عنك في وجوب حق النعمة عليك ، فيما جدد به من عتيد البر لديك ، لكنه الغاية الممكنة من فعلك ، والاجتهاد في بلوغ الأجر من عملك . فكن له بأفضل ما هيّأ لك عاملا ، وعليه به في سائر أوقاتك مقبلا ، ثم كن له بعد ذلك خاضعا مذعنا ضارعا معترفا ، فإن ذلك يسير من كثير وجب له عليك . وبعد يا أخي فاحذر ميل التأويل عن الحقائق ، وخذ لنفسك بأحكم الوثائق . فإن التأويل كالصّفاة الزلال ، الذي لا تثبت عليه الأقدام . وإنما هلك من هلك من المنسوبين إلى العلم ، والمشار إليهم بالفضل ، بالميل إلى خطأ التأويل ، واستيلاء ذلك على عقولهم ، وهم في ذلك على وجوه شتى . وإني أعيذك باللّه وأستعينه لك وأعيذك به من ذلك كله ، وأسأله أن يجعل عليك جنة من جنته ، وواقية من واقيته وإحسانه .
--> ( 1 ) من نشرة عبد القادر عن المخطوط رقم ( 227 ) ، وحلية الأولياء لأبي نعيم ( 10 / 276 ) .